الشيخ محمد زاهد الكوثري

158

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

ويدل عليه قول شيخ طبقة التصوف الجنيد رحمه اللّه ؛ فإنه قال : جلّت ذاته عن الحدود ، وجلّ كلامه عن الحروف ، فلا حد لذاته ، ولا حروف لكلامه . ويدل عليه أيضا ما حدّث به أبو بكر « 1 » النقاش في تفسيره عن آدم بن أبي إياس قال : رأيت في يد بكر بن خنيس كتابا فزدت فيه حرفا أو نقصت منه حرفا : فقال لي بكر بن خنيس : يا آدم من أمرك أن تفعل هذا ؟ أما علمت أن اللّه تعالى لما خلق الألف انتصبت قائمة ، فلما خلق الباء أضجعت ، وقيل للألف لم انتصبت قائمة ؟ قالت : أنتظر ما أومر . وقيل للباء لم أضجعت ؟ قالت : سجدت لربي . فقال بكر : فأيهما أجل ؟ الذي فعل ما لم يؤمر به - يعني الباء سجدت ولم تؤمر بالسجود - أو الذي انتظر ما يؤمر - يعني الألف - . قال آدم بن أبي إياس : فكأنه فضل الألف على الباء ودلالة هذا على وجهين : أحدهما : أنه صرح في هذا بخلق الألف والباء . والثاني : أنه فضل الألف على الباء ، والقديم لا يجوز أن يفضل بعضه على بعض ، ولا يوصف بالأبعاض وإنما الذي يبعض ويحدد تلاوة القديم لا نفس الكلام القديم : وأيضا ما ذكره في تفسيره بإسناد رفعه إلي كعب الأحبار أنه قال : إن أول ما خلق اللّه تعالى من الحروف الباء ، ويقال : كانت الألف والسين حرفين كاملين فرفعت السين فرفع اللّه الألف عليها . وأيضا ما روي عن عبد اللّه بن سعيد أنه قال : عرضت حروف المعجم على الرّحمن تعالى وتقدّس وهي تسعة وعشرون حرفا فتواضع الألف من بينها فشكر اللّه تعالى له فجعله قائما ، وجعله أمام اسمه الأعظم - يعني اللّه - فإنه لم يسم به غيره . ويدل عليه أيضا : أن حروف التوراة مخالفة لحروف الفرقان في الهيئة والصورة والعدد ، لأن حروف التوراة حروف عبرانية ، وكذلك القول في حروب الإنجيل والمقروء بالكل منهما وإن اختلفت الحروف شيء واحد ، لا يختلف ولا يتغير . وأيضا فإن الحروف تحتاج إلى مخارج ، فحرف الشفة غير حرف اللسان ، وحرف الحلق غيرهما ، فلو كان تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى المخارج وهو منزّه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون .

--> ( 1 ) محمد بن الحسن صاحب شفاء الصدور الكذاب المشهور ( ز ) .